languageFrançais

فرقة 'سراب' تملأ المسرح بطاقة الروك والقصيدة العربية

بمضخّم الصوت في يدها، تقدّمت كليمان زرقان أمام جمهور شاب تفاعل مع الطاقة الخام التي بثتها الفرقة منذ اللحظات الأولى. كان الصوت جزءاً من المشهد، كما كانت الغيتارات والإلكترونيات والدرامز جزءاً من خطاب لا يفصل الموسيقى عن الأسئلة التي تحملها. هنا، لا يبدو الاحتجاج شعارا مرفوعا فوق الموسيقى، بل يتحوّل إلى بنية موسيقية كاملة.


وفي مسرح الجهات بمدينة الثقافة، لم تدخل ''سراب'' إلى الركح لتقديم حفل موسيقي بالمعنى التقليدي للكلمة. دخلت لتفتح مواجهة صوتية بين الذاكرة والحاضر، بين القصيدة العربية وضجيج الروك، وبين المقام الشرقي وإيقاعات إلكترونية تبدو كأنها تدفع الموسيقى إلى حافة الانفجار.

وتقود ''سراب'' رحلة تنطلق من شرق المتوسط، لكنها لا تتوقف عند حدوده. المقامات العربية تدخل في حوار مع الروك والبوست-بانك والجاز الحديث، بينما تمنح الإلكترونيات للموسيقى إيقاعاً معاصراً. وفي قلب هذا كله، يأتي الشعر العربي بوصفه ذاكرة وصوتاً ووسيلة لاستعادة ما يمكن أن تبتلعه الحروب والنسيان. إنها موسيقى هجينة، لكن هجانتها ليست ارتباكا في الهوية بل هي جوهر مشروع الفرقة منذ تأسيسها في باريس سنة 2018، من لقاء المغنية السورية-الفرنسية كليمان زرقان وعازف الغيتار الفرنسي باتيست فيرانديس. ومعهما تشكّلت هوية موسيقية تجمع أصواتاً وخلفيات مختلفة، لتصبح ''سراب'' واحدة من التجارب التي تعيد صياغة حضور الموسيقى العربية داخل المشهد الموسيقي البديل.


وفي تونس، جاءت الفرقة محمّلة بأحدث مشاريعها: ''Mīt Warde – Cent roses''، أو «مئة وردة»، الصادر في فيفري 2026. ألبوم يواصل الانحياز إلى الموسيقى التي لا تخشى السياسة ولا تتجنب الذاكرة، ويضع الروك والتكنو إلى جانب نصوص ملتزمة وتكريمات حميمة لضحايا الحرب.


وعلى الركح، تتحول هذه العناصر إلى شيء آخر تماما: صوت كليمان زرقان يتقدم مثل نداء، والغيتار يردّ عليه بطاقة صاخبة، فيما تصنع لوحات الكيبورد والباص والدرامز مساحة تتأرجح بين التأمل والانفجار. وتبقى المقامات العربية حاضرة، لا كزينة شرقية مضافة إلى موسيقى غربية، بل كجزء أصيل من البناء الموسيقي.


ولعل اسم الفرقة نفسه يحمل مفارقة المشروع: ''سراب'' هو ما يبدو قريبا ولا يمسك، صورة تتبدل كلما اقتربنا منها. لكن ما حدث في مسرح الجهات كان العكس تقريبا؛ فقد جعلت الفرقة من الموسيقى شيئا محسوسا، صاخبا ومباشرا، يمرّ عبر الجسد قبل أن يصل إلى الفكر.
ومنذ انطلاقتها، قدّمت ''سراب'' أكثر من مئة عرض في أوروبا وكندا وحوض المتوسط، وراكمت تجربة جعلت مشروعها أكثر جرأة في مزج التراث الموسيقي للمنطقة بالجاز والروك والموسيقى الإلكترونية. ومع ''مئة وردة''، بدا التحول أكثر وضوحا نحو صوت روك كثيف، دون التخلي عن الجذور العربية.

الواثق بالله شاكير